لماذا يعتبر القانون مهمًا؟ السؤال هنا ليس نظريًا، بل واقعي جدًا: كيف ستكون حياتنا لو عشنا بلا قانون؟ لقد كانت لنا تجربة قاسية رأينا فيها ماذا يحدث عندما تغيب الشرطة، وتتراجع سلطة المحاكم، ويصبح تطبيق القانون أمرًا بالغ الصعوبة. وفي تلك اللحظات أدرك كثيرون أن القانون ليس مجرد نصوص تُكتب في الكتب، ولا مواد تُحفظ في كليات الحقوق، وإنما هو ضرورة لتنظيم حياة الناس وحماية حقوقهم ومنع الفوضى. أنا أؤمن أن وجود القانون جزء من طبيعة الحياة نفسها؛ فالكون الذي خلقه الله وأبدعه لم يتركه بلا نظام، وإنما جعل له سننًا ونواميس تحكمه. وكذلك الإنسان، لا يستطيع أن يعيش في مجتمع مستقر من دون قواعد تضبط علاقاته وتحفظ حقوقه وتحدد واجباته. ولذلك، إذا لم يكن هناك قانون يحترمه الجميع، ويلتزم به الجميع، فلا أعتقد أننا سنكون أمام شريعة الغاب فقط؛ بل ربما أمام ما هو أسوأ من ذلك. فحتى عالم الحيوان له نظامه، ولكل مخلوق فطرته وسلوكه الذي يسير عليه. أما الإنسان، فقد مُنح العقل والإرادة، ولذلك فإن مسؤوليته أكبر في أن يضع لنفسه قواعد تحمي المجتمع، ثم يحترمها ويلتزم بها. والأهم من ذلك أن احترام القانون ليس حماية للآخرين فقط، بل هو حماية للإنسان نفسه. فمن يعتقد اليوم أن نفوذه أو سلطته أو موقعه الاجتماعي يجعله فوق القانون، عليه أن يتذكر أن الأيام لا تثبت على حال. قد تكون صاحب نفوذ اليوم، وقد تكون صاحب قرار اليوم، وقد تملك القدرة على تجاوز القانون اليوم؛ ولكن ماذا لو تغيرت الظروف غدًا؟ إن سنة الحياة هي الدوران، وما أنت عليه اليوم ليس بالضرورة ما ستكون عليه غدًا. وقد يأتي اليوم الذي تحتاج فيه إلى ذات القانون الذي كنت سببًا في انتهاكه، أو إلى ذات العدالة التي لم تكن حريصًا على تحقيقها للآخرين. وعندها ستدرك أن القانون لم يكن قيدًا عليك، وإنما كان حماية لك ولغيرك. لذلك، هذه رسالة مفتوحة ودعوة عامة إلى الوعي بأهمية القانون، وضرورة الحفاظ عليه، واحترامه، والتمسك به، والعمل على أن يكون فوق الجميع، لا أن يكون أداة في يد البعض ضد البعض. فالقانون لا تبرز قيمته عندما تكون الأمور مستقرة فقط، وإنما تظهر قيمته الحقيقية عندما تضطرب الحياة وتغيب الضوابط. والخلاصة ببساطة: احترم القانون اليوم، لأنك لا تعرف ماذا سيحمل لك الغد. فغياب القانون ليس حرية، وإنما فوضى؛ والفوضى حين تبدأ لا تختار ضحاياها. والسلام. بقلم : المحامي علي محمد المزيني.